صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
8
أنس المسجون وراحة المحزون
لم يكن السجن بدعا ، وإنما هو قديم قدم الإنسان الأول ، واليقين الذي لا شكّ فيه أن مؤسسة السجن هي من أولى المؤسسات التي ابتدعها الإنسان ، ولا يتّفق الإسلام مع غيره من الأنظمة التي أخذت بنظام السجون إلا بالاسم فلم يكن السجن في الإسلام أداة قهر وتعذيب ، ولا انتقام وتدمير بل هو أقرب ما يكون إلى المدرسة الاجتماعية ، والمؤسسة الأخلاقية منه إلى السجن بل إننا نستطيع القول : إن السجن في النظام الإسلامي - أعني النظام الذي قام على شريعة اللّه تعالى ، وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يكن سوى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية والفكرية والسلوكية . وقد أوجد المسلمون دستورا لنظام الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي لا نجده في أرقى دول العالم ، كتب عمر بن عبد العزيز لأمراء الأجناد : « وانظر من في السجون ممّن قام عليه الحقّ ، فلا تحبسنّه حتى تقيمه عليه ، ومن أشكل أمره فاكتب إليّ فيه ، واستوثق من أهل الدّعارات ، فإن الحبس لهم نكال ، ولا تعدّ في العقوبة ، وتعاهد مريضهم ممّن لا أحد له ولا مال وإذا حبست قوما في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الدّعارات . . . . وانظر من تجعل على حبسك ممّن تثق به ، ومن لا يرتشي ، فإنّ من ارتشى صنع ما أمر به » « 1 » . هذا هو النهج الذي خطّه عمر بن عبد العزيز ، والذي ذكره دائما في
--> - ( 3628 ) في الأقضية ، باب في الحبس في الدين وغيره ، والنسائي 7 / 316 في البيوع ، باب مطل الغني ، وابن ماجة ( 2427 ) في الصدقات ، باب الحبس في الدّين . قال ابن الأثير في « جامع الأصول » 4 / 455 : اللّيّ : المطل ، والواجد القادر الملئ ، « يحل عرضه » : أي يجوز لصاحب الدين أن يعيبه ، ويصفه بسوء القضاء ، والمراد بالعرض : نفس الإنسان ، و « عقوبته » : حبسه . ( 1 ) طبقات ابن سعد 5 / 356 .